ابن عجيبة

502

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

عرشه ونظر إلى خلقه : عبادي أنتم خلقي وأنا ربكم ، أرزاقكم بيدي ، فلا تتعبوا فيما تكفلت لكم به ، فاطلبوا منى أرزاقكم ، وإلىّ فارفعوا حوائجكم ، انصبوا إلىّ أنفسكم أصبّ عليكم أرزاقكم . أتدرون ما قال ربكم ؟ قال اللّه تبارك وتعالى : يا ابن آدم ؛ أنفق أنفق عليك ، وأوسع أوسع عليك ، ولا تضيق فأضيق عليك ، ولا تصرّ فأصرّ عليك ، ولا تخزن فأخزن عليك ، إن باب الرزق مفتوح من فوق سبع سماوات ، متواصل إلى العرش ، لا يغلق ليلا ولا نهارا ، ينزل اللّه منه الرزق ، على كل امرئ بقدر نيته ، وعطيته ، وصدقته ، ونفقته ، من أكثر أكثر عليه ، ومن أقل أقل عليه ، ومن أمسك أمسك عليه . يا زبير فكل وأطعم ، ولا توك فيوك عليك « 1 » ، ولا تحص فيحص عليك ، ولا تقتّر فيقتر عليك ، ولا تعسر فيعسر عليك . يا زبير ، إن اللّه يحب الإنفاق ، ويبعض الإقتار ، وإن السخاء من اليقين ، والبخل من الشك ، فلا يدخل النار من أيقن ، ولا يدخل الجنة من شك . يا زبير ؛ إن اللّه يحب السخاوة ، ولو بفلق تمرة ، والشجاعة ، ولو بقتل عقرب أو حية . يا زبير ؛ إن اللّه يحب الصبر عند زلزلة الزلازل ، واليقين النافذ عند مجىء الشهوات ، والعقل الكامل عند نزول الشبهات . والورع الصادق عند الحرام والخبيثات . يا زبير ؛ عظّم الإخوان ، وأجلّ الأبرار ، ووقر الأخيار ، وصل الجار ، ولا تماش الفجار ، تدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب ، هذه وصية اللّه إلىّ ، ووصيتي إليك » . ثم ذكر توبيخه على الشرك ، فقال : [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 40 إلى 42 ] وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ ( 40 ) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ( 41 ) فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 42 ) يقول الحق جل جلاله : وَ اذكر يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ « 2 » جَمِيعاً ، العابدين والمعبودين ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ ؟ هو خطاب للملائكة ، وتقريع للكفرة ، وارد على المثل السائر من قول العامة : الخطاب للسارية وافهمى يا جارية . ونحوه قوله : . . أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي . . الآية « 3 » . وتخصيص

--> ( 1 ) أي : لا تدخر وتشد ما عندك ، وتمنع ما في يديك ، فتنقطع مادة الرزق عنك . والوكاء : الخيط الذي تشد به الصرّة والكيس وغيرهما . انظر النهاية في غريب الحديث ( وكاء ، 5 / 222 - 223 ) . ( 2 ) قرأ حفص ، ويعقوب : « يحشرهم » بالياء ، وقرأ الباقون « نحشرهم » و « نقول » بالنون . وقد أثبت المفسر قراءة النون . انظر إتحاف فضلاء البشر ( 2 / 388 ) . ( 3 ) من الآية 116 من سورة المائدة .